أما الشجاعة فإنه أنسى الناس فيها ، ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة ، تُضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذي ما فرَّ قط ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحد إلا قتله ، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت إلى ثانية .
ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما قال له عمرو بن العاص : لقد أنصفك ، فقال معاوية ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم ، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق ، أراك طمعت في إمارة الشام بعدي .
وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، وأما قتلاه فافتخار أهلهم أظهر وأكثر بأنه ( عليه السلام ) هو الذي قتلهم ، حيث قالت أخت عمرو بن عبد ودٍّ وهي ترثيه :
لو كان قاتل عمرو غير قاتله
بكيته أبدا ما دمت في الأبد
لكن قاتـله من لا نظير لـه
وكان يدعى ابوه بيضة البلد
فكانت ملوك الروم والإفرنج تضع صوره ( عليه السلام ) حاملاً لسيفه في بيوت عبادتها ، وكذلك ملوك الترك والديلم فكانوا يضعون صوره ( عليه السلام ) على سيوفهم ، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر في الحرب .
فلا يمكن أن توصف الشجاعة بأكثر من أنه ما نكل عن مبارز ، ولا بارز أحداً إلا قتله ،
ولا فرَّ قطّ ، ولا ضرب ضربة فاحتاج إلى ثانية ، وكان يقول ( عليه السلام ) :
( ما بارزت أحدا إلا وكنت أنا ونفسه عليه ) .
وقيل له : يا أمير المؤمنين ألا تعد فرساً للفر والكر ؟
فقال ( عليه السلام ) : ( أما أنا فلا أفر ومن فر مني فلا أطلبه ) .
وكفى في ذلك مبيته على الفراش ليلة الغار معرضاً نفسه للأخطار ، فلم يخف ولم يحزن ، فوقى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بنفسه ، وفداه بمهجته .
وخروجه بالفواطم جهاراً من مكة ولحوق الفوارس الثمانية به لما علموا بخروجه حنقين عليه عازمين على قتله إن لم يرجع راغماً ، ولا بد أن يكونوا من شجعان مكة وأبطالها لأن من ينتدب لمثل ذلك لا يكون من جبناء الناس ، وهم فرسان وهو راجل وهم ثمانية وهو واحد وليس معه إلا أيمن بن أم أيمن وأبو واقد الليثي وهما لا يغنيان عنه شيئاً .
وقد أخذ الهلع أبا واقد حين رأى الفرسان ، فسكن جأشه ، ولم يُنقل أنهما - أيمن وأبا واقد - عاوناه بشيء ، بل كان حظهما حظ الواقف المتفرج .
ولم يكن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بحاجة إلى مساعد ، على أن الثمانية فوارس ولو لم يكونوا في الدرجة العالية من الشجاعة ، ألا إنه لا يفلت منهم رجل واحد في العشرين من عمره أو تجاوزها بقليل مهما كان شجاعاً ، فيمكنهم أن يحيطوا به من كل جانب فيقتلوه ولو رضخاً بالحجارة ، فإذا كر على الذين أمامه حمل عليه الذين وراءه ، أو كرَّ على الذين وراءه حمل عليه الذين أمامه فلا يمكنه الخلاص ويسهل عليهم قتله أو أسره .
وما كان منه في وقعة بدر التي بها تمهدت قواعد الدين وأذل الله جبابرة المشركين وقتلت فيها رؤساؤهم ووقعت الهيبة من المسلمين في قلوب العرب واليهود وغيرهم ، فقد كان في هذه الوقعة قطب رحاها وليث وغاها ، بارز الوليد بن عتبة أول نشوب الحرب فلم يلبثه حتى قتله .
وشارك عمه حمزة في قتل عتبة ، واشترك هو وحمزة وعبيدة في قتل شيبة فأجهزا عليه.
فكان قَتلُ هؤلاء الثلاثة أولُ وهنٍ لَحقَ المشركين ودخل عليهم ، وظهرت بذلك أمارات نصر المسلمين .
وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله ، وبرز إليه من بعده طعيمة بن عدي فقتله ، وقتل بعده نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش ، ولم يزل يقتل واحداً منهم بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم و كانوا سبعين قتيلاً ، وذلك بمعونة الله تعالى له وتأييده وتوفيقه ونصره ، وكان الفتح له بذلك وعلى يديه .
قال المفيد ( رحمه الله ) : و في الأحزاب ( يوم الخندق ) أنزل الله تعالى :
قال فتوجه العتب إليهم والتوبيخ والتقريع ولم ينجُ من ذلك أحد بالاتفاق ، إلا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إذ كان الفتح له وعلى يديه ، وكان قتله عمرو بن عبد ودٍّ ، ونوفل بن عبد الله ، سبب هزيمة المشركين .
وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعد قتله هؤلاء النفر : ( الآن نغزوهم ولا يغزوننا ) .
وقد روى يوسف بن كليب عن سفيان بن زيد عن قرة وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ : ( وكفى الله المؤمنين القتال بعلي ) .
ومبارزته لـ ( مرحب ) يوم خيبر وقتله ، وفتح الحصن ، ودحو الباب .
إلى غير ذلك من غزواته ووقائعه في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبعده .