ترحمة

سيرة متعلقون أصحاب شعراء ما كتب فيهم

 

الإمام الباقر ( عليه السلام ) مع نافع مولى عمر

حج هشام بن عبد الملك ومعه نافع مولى عمر بن الخطاب ، فنظر نافع إلى الإمام الباقر ( عليه السلام ) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الخلق ، فقال : يا أمير المؤمنين ! من هذا الذي قد تكافأ عليه الناس ؟

فقال : هذا محمد بن علي بن الحسين .

قال نافع : لآتينَّه ولأسألنَّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبيّاً أو وصيَّ نبيٍّ .

قال هشام : فاذهب إليه لعلَّك تخجله ، فجاء نافع حتى اتكأ على الناس وأشرف على الإمام ( عليه السلام ) ، فقال :

يا محمد بن علي ، إني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وقد عرفت حلالها وحرامها ، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبيّاً أو وصيَّ نبيٍّ أو ابنَ نبيٍّ .

فرفع الإمام ( عليه السلام ) رأسه ، فقال :

سَلْ عَمَّا بَدا لك !

قال نافع : أخبرني كم بين عيسى ومحمد من سنة ؟

قال ( عليه السلام ) : أجيبك بقولك أم بقولي ؟

قال نافع : أجبني بالقولين .

قال ( عليه السلام ) : أما بقولي فخمسمائة سنة ، وأما بقولك فستمائة سنة .

قال نافع : فأخبرني عن قول الله عزَّ وجلَّ :

( وَاسْأَلْ مَن أَرسَلْنَا مِنْ قَبلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يَعْبُدُونَ )
[ الزخرف : 45 ] .

من الذي سأل محمد وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة ؟

فتلا الإمام ( عليه السلام ) :

( سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ لَيلاً مِنَ المَسجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسجِدِ الأَقصَى الَّذِي بَارَكنَا حَولَهُ لِنُريهُ مِن آيَاتِنَا )
[ الإسراء : 1 ] .

كانت من الآيات التي أراها محمداً ( صلى الله عليه وآله ) – حيث أُسري به إلى بيت المقدس – أنه حشر الله الأولين والآخرين من النَّبيِّينَ والمرسلين ، ثم أمر جبرئيل ( عليه السلام ) ، فأذن شفعاً وأقام شفعاً وقال في أذانه : ( حَيَّ عَلى خَيرِ العَمَلِ ) .

ثم تقدم محمد ( صلى الله عليه وآله ) فَصَلَّى بالقوم ، فلما انصرف قال الله عزَّ وجلَّ :

( وَاسْأَلْ مَنْ أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يَعبُدُونَ )
[ الزخرف : 45 ] .

فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : على من تشهدون ؟ وما كنتم تعبدون ؟

قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأنَّك رسول الله ، أخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا .

فقال نافع : صدقت يا أبا جعفر !!

قال نافع : فأخبرني عن قول الله عزَّ وجلَّ :

( يَومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غَير الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ )
[ إبراهيم : 48 ] .

أي أرضٍ تُبَدَّل ؟

فقال الإمام ( عليه السلام ) : خبزة بيضاء يأكلونها ، حتى يفرغ الله من حساب الخلائق.

فقال نافع : إنهم عن الأكل لمشغولون .

قال ( عليه السلام ) : إنهم حينئذٍ أَشْغَلُ أَمْ هُم فِي النار ؟

قال نافع : بل هم في النار .

قال ( عليه السلام ) : فقد قال الله عزَّ وجلَّ :

( وَنَادَى أَصحَابُ النَّارِ أَصحَابَ الجَنَّةِ أَن أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ المَاءِ أَو مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ )
[ الأعراف : 50 ] .

ما أشغلهم إذ دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم ، ودعوا بالشراب فسقوا من الحميم ؟!

فقال نافع : صدقت يا ابن رسول الله ! وبقيت مسألة واحدة .

قال ( عليه السلام ) : وما هي ؟

قال نافع : فأخبرني متى كان الله ؟

قال ( عليه السلام ) : ويلك ! أخبرني متى لم يكن حتى أخبرك متى كان ؟! سبحان من لم يزل ولا يزال ، فرداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً .

ثم أتى هشام بن عبد الملك فقال : ما صنعتَ ؟

قال نافع : دعني من كلامك ، هو والله أعلم الناس !! وهو ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حقاً .